صديق الحسيني القنوجي البخاري

104

فتح البيان في مقاصد القرآن

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [ سورة غافر ( 40 ) : الآيات 1 إلى 3 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ حم ( 1 ) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ( 2 ) غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ ( 3 ) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ حم قرأ الجمهور بفتح الحاء مشبعا ، وقرىء بإمالته إمالة محضة ، وبإمالته بين بين وقرأ الجمهور بسكون الميم كسائر الحروف المقطعة وقرأ الزهري بضمها على أنها خبر مبتدأ مضمر أو مبتدأ والخبر ما بعده وقرأ عيسى بن عمر الثقفي بفتحها ، وهي تحتمل وجهين أحدهما أنها منصوبة بفعل مقدر ، أي اقرأ حم ، وإنما منعت من الصرف للعلمية والتأنيث ، أو للعلمية وشبه العجمة وذلك أنه ليس في الأوزان العربية وزن فاعيل بخلاف الأعجمية ، نحو قابيل وهابيل والثاني أنها حركة بناء تخفيفا كأين وكيف ، وقرأ ابن أبي إسحاق وأبو السماك بكسرها لالتقاء الساكنين . أو بتقدير القسم وقرأ الجمهور بوصل الحاء بالميم ، وقرأ أبو جعفر بقطعها . وقد اختلف في معناه فقيل : هو اسم من أسماء اللّه قاله أبو أمامة ، وقيل اسم من أسماء القرآن قاله قتادة ، وقال الضحاك والكسائي : معناه قضى ، وجعلاه بمعنى حم أي وقع وقضى ، وقيل : مفاتيح خزائنه ، وقيل : اسم اللّه الأعظم ، وقيل بدء أسماء اللّه تعالى كحميد وحليم وحكيم وحنان ، وكمالك ومجيد ومنان ومتكبر ومصور ومؤمن ومهيمن ، وقيل معناه حم أمر اللّه أي قرب نصره لأوليائه ، وانتقامه من أعدائه ؛ وهذا كله تكلف لا موجب له ؛ وتعسف لا ملجىء إليه ، والحق أن هذه الفاتحة لهذه السورة وأمثالها من المتشابه الذي استأثر اللّه بعلم معناه ، كما قدمنا تحقيقه في فاتحة سورة البقرة . وأخرج الترمذي والحاكم وصححه ، وأبو داود وغيرهم ، عن المهلب بن أبي صفرة قال : حدثني من سمع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يقول ليلة الخندق : « إن أتيتم الليلة فقولوا حم لا ينصرون » « 1 » ، وعن البراء بن عازب أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « إنكم تلقون عدوكم فليكن شعاركم حم لا ينصرون » « 2 » أخرجه النسائي والحاكم وابن أبي شيبة . تَنْزِيلُ الْكِتابِ هو خبر لحم على تقدير أنه مبتدأ أو خبر لمبتدأ مضمر أي هذا تنزيل أو هو مبتدأ وخبره مِنَ اللَّهِ قال الرازي : المراد بالتنزيل المنزل ، والمعنى أن القرآن منزل من عند اللّه ليس بكذب عليه الْعَزِيزِ المنيع بسلطانه الغالب ، القاهر في ملكه الْعَلِيمِ

--> ( 1 ) أخرجه أبو داود في الجهاد باب 71 ، والترمذي في الجهاد باب 11 ، وأحمد في المسند 4 / 289 . ( 2 ) أخرجه أبو داود الجهاد 71 ، وأحمد في المسند 4 / 65 ، 289 ، 5 / 377 .